الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

117

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثابت ، لا يقبل التبديل ولا التحويل ( 1 ) . آخر ما نريد التوقف عنده هو أن الآية تضيف " سنة " إلى لفظ الجلالة " الله " وفي موضع آخر من نفس الآية تضيف " سنة " إلى " الأولين " ويظهر في بادئ الأمر وجود تنافي بين الحالتين ، ولكن الأمر ليس كذلك ، لأنه في الحالة الأولى أضيفت " سنة " إلى " الفاعل " ، وفي الحالة الثانية أضيفت " سنة " إلى " المفعول به " . ففي الحالة الأولى تعبير عن مجري السنة ، وفي الثانية عمن أجريت عليه السنة . الآية التالية تدعو هؤلاء المشركين والمجرمين إلى مطالعة آثار الماضين والمصير الذي وصلوا إليه ، حتى يروا بأم أعينهم في آثارهم ومواطنهم السابقة جميع ما سمعوه ، وبذا يتحول البيان إلى العيان . فتقول الآية الكريمة : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم . فإذا كانوا يتصورون أنهم أشد قوة من أولئك فهم على اشتباه عظيم تلك ، لأن الأقوام السالفة كانت أقوى منهم : وكانوا أشد منهم قوة . فالفراعنة الذين حكموا مصر ، ونمرود الذي حكم بابل ودولا أخرى بمنتهى القدرة ، كانوا أقوياء إلى درجة لا يمكن قياسها مع قوة مشركي مكة . إضافة إلى أن الإنسان مهما بلغ من القوة والقدرة ، فإن قدرته وقوته لا شئ إزاء قوة الله ، لماذا ؟ لأنه وما كان الله ليعجزه من شئ في السماوات ولا في الأرض ( 2 ) فهو العليم القدير ، لا يخفى عليه شئ ، ولا يستعصي على قدرته شئ ، ولا يغلبه أحد ، فلو تصور هؤلاء المستكبرون الماكرون أنهم يستطيعون

--> 1 - جمع من المفسرين فسروا " تحويل " هنا بمعنى " نقل مكان العذاب " بمعنى أن الله سبحانه وتعالى ينقل عقوبته من شخص لينزلها على شخص آخر . ومع ملاحظة أن هذا التفسير لا ينسجم على ما يبدو مع الآية أعلاه ، فالحديث ليس عن نقل العذاب من شخص إلى آخر ، بل عن عدم قبول السنن للزيادة والنقص أو التغيير والتبديل ، فكأن هؤلاء المفسرين خلطوا بين كلمتي " تحول " و " تحويل " ، وقد ورد في بعض متون اللغة كمجمع البحرين " التحويل : تصيير الشئ على خلاف ما كان . والتحول : التنقل من موضع إلى موضع " . 2 - جملة " ليعجزه " كما ذكرنا سابقا من مادة " عجز " وهي هنا بمعنى : يجعله عاجزا ، لذا ففي كثير من المواضع جاءت بمعنى الفرار من قدرة الله ، أو بمعنى عدم التمكن من شخص .